حيدر حب الله
83
شمول الشريعة
والجواب النمطي هنا هو أنّ المطلوب من الله استخدام الطرق المتعارفة ، وأنّ غياب الشريعة اليوم كان بسبب ظلم البشر وطغيانهم ، لا عن تقصير من الله سبحانه أو نقص في لطفه . وهذا النوع من المقاربة بعينه يجري في بحثنا هنا ؛ وذلك أنّه إذا كان يجوز على الله اللطيف أن لا يتدخّل في مجالٍ بسبب أنّ المورد من موارد تقصير البشر وطغيانهم ، فما الذي يمنع أن يكون عدم جعله الشريعة شاملةً بسبب طغيان الإنسان من قبل ، فحرمه من الشريعة الشاملة لاحقاً عندما بعث الرسول الخاتم ، وألقاه في مصاعب تحمّل تبعات طغيانه القديم بإيكال أمر التقنين إليه في بعض الدوائر ، ليدير أموره ، مع ما في ذلك من مصاعب وأخطاء وتعثّرات ؟ ما الذي يجعل فرضيّة من هذا النوع مستحيلة دينيّاً في إمكاناتها ؟ ومن ثم فالشريعة المحمّدية التي كانت ستكون شاملة لم تعد كذلك بسبب طغيان البشر قبل الوحي المحمدي ، مما جعلنا محرومين من هذا الفيض . وما لم ننفِ مثل هذه الفرضيّات الإمكانيّة لا يمكن إقامة برهان عقلي هنا وفقاً لقانون اللطف . وإذا قلتَ لي بأنّه ما ذنب اللاحقين مع تقصير المتقدّمين ؟ كان هذا السؤال بعينه وارداً عليك في جوابك النمطيّ المتقدّم ، فكما كان ذنب السابقين علّة غياب الأحكام عن اللاحقين كذا كان ذنبهم علّة ترك المولى بيان بعض الشريعة لهم وللاحقين ، كيف وقد حرّم الله على بني إسرائيل بظلمهم طيّباتٍ احلّت لهم ( النساء : 160 ) ، فمع وصفه لها بالطيّبات وبالمحلَّلة لكنّه حرّمها ، وكان هذا أمراً معقولًا في فضاء ظلمهم وبغيهم ، فلعلّ هذا الظلم الذي حَرَمنا من شموليّة الشريعة ما يزال سارياً في البشر يرتكبونه كلّ يوم ، ومن أين لنا نفي مثل هذا حتى ندّعي إنتاج برهان عقلي حاسم ؟ نتيجة البحث في المنطلقات العقليّة ، معالم الإخفاق وضعف المحاولات ونتيجة الكلام في النمط العقلي والعقلاني للاستدلال في قضيّة الشمول التشريعي أنّنا لم نجد شيئاً مقنعاً يفرض هذا الشمول ويجعله أمراً واقعاً ، وليس هناك سوى استبعادات تارةً ، وترجيحات أخرى ، وملازمات لا توصل إلى الهدف الرئيس ثالثة ، بل العديد من أنماط الاستدلال هنا يبدو لي كلاميّاً ، لم يعد قادراً على الصمود أمام المقاربات الفلسفيّة المعاصرة . إنّنا نلاحظ أنّ الخطأ المنهجيّ الذي تقع فيه المنهجيّة العقليّة في تناول هذا الموضوع ، يكمن في